محمد بن جرير الطبري
592
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وخلا في بني إسرائيل ثم قال : يا يحيى بن زكرياء ، قد علم ربى وربك ما قد أصاب قومك من اجلك ، وما قتل منهم من اجلك ، فاهدا بإذن الله قبل الا أبقى من قومك أحدا ، فهدأ دم يحيى بإذن الله ، ورفع نبوزراذان عنهم القتل ، وقال : آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل ، وصدقت به وأيقنت انه لا رب غيره ، ولو كان معه آخر لم يصلح ، لو كان معه شريك لم تستمسك السماوات والأرض ، ولو كان له ولد لم يصلح ، فتبارك وتقدس وتسبح وتكبر وتعظم ! ملك الملوك الذي يملك السماوات السبع بعلم وحكم وجبروت وعزه ، الذي بسط الأرض والقى فيها رواسي لا تزول ، فكذلك ينبغي لربي ان يكون ويكون ملكه فأوحى إلى راس من رؤوس بقية الأنبياء ان نبوزراذان حبور صدوق - والحبور بالعبرانية حديث الايمان - وان نبوزراذان قال لبنى إسرائيل : ان عدو الله خردوس أمرني ان اقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وانى فاعل ، لست أستطيع ان أعصيه قالوا له : افعل ما أمرت به ، فأمرهم فحفروا خندقا ، وامر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل فذبحها ، حتى سال الدم في العسكر ، وامر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم ، حتى كانوا فوقهم ، فلم يظن خردوس الا ان ما كان في الخندق من بني إسرائيل . فلما بلغ الدم عسكره ارسل إلى نبوزراذان : ارفع عنهم ، فقد بلغني دماؤهم ، وقد انتقمت منهم بما فعلوا ثم انصرف عنهم إلى ارض بابل ، وقد افنى بني إسرائيل أو كاد ، وهي الوقعة الأخيرة التي انزل الله ببني إسرائيل ، يقول الله تعالى لنبيه محمد ص : « وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ » إلى قوله : « وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً » . وعسى من الله حق ، فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده ، ثم رد